مَاذَا يُؤمَّل مِن قَوْمٍ إِذَا غَضِبُوا ... جَارُوا عَلَيْكَ وَإِن أَرْضَيْتهمُ مَلوا
وَإِن صدقتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلُوكَ كَمَا يُسْتَثْقَلُ الكُلّ
فَاسْتَغْنِ بالله عن أبْوابِهِمْ أبداً ... إِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَبْوَابِهِم ذُلُّ
ففي صحبة الملوك خطر كبير، وتعب عظيم، فمن قوي نوره، حتى يغلب على ظلمتهم، بحيث يتصرف فيهم، ولا يتصرفون فيه، فلا بأس بمعرفتهم، إن كان فيه نفع للناس بالشفاعة والنصيحة.
(فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(42)
(أَهكَذا عَرْشُكِ) ؟ ولم يقل: أهذا عرشك لئلا يكون تلقيناً، فيفوت ما هو المقصود من اختبار عقلها، وقد قيل لسليمان - لما أراد تزوجها -: إن في عقلها شيئاً، فاختبرها بذلك.
قالَتْ - لما رأته -: (كَأَنَّهُ هُوَ) فأجابت أحسن جواب، فلم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقل: هو هو، مع علمها بحقيقة الحال، ولِمَا شبّهوا عليها بقولهم: (أهكذا عرشك) شبهت عليهم بقولها: (كَأَنَّهُ هُوَ) مع أنها علمت بعرشها حقيقة، تلويحاً بما اعتراه بالتنكير من نوع مغايرة في الصفات مع اتحاد الذات، ومراعاة لحسن الأدب في محاورته عليه السلام.
ولو قالوا: أهذا عرشك؟ لقالت: هو.
ثم قالت: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) بقدرة الله تعالى، وبصحة نبوتك مِنْ قَبْلِها من قَبل هذا الأمر، أي: من قبل هذه المعجزة التي شاهدنا الآن، من أمر الهدهد، وبما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك، (وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) منقادين لك من ذلك الوقت، وكأنها ظنت أنه أراد عليه السلام اختبار عقلها، وإظهار المعجزة، لتؤمن به، فأظهرت أنها آمنت به قبل وصولها إليه.