ثالثا- الرياح مبشّرات بهطول المطر، تقود السحب من مكان إلى آخر، والأمطار الهاطلة حياة الأبدان والنباتات والحيوانات، وهي ماء طهور أي ما يتطهر به، والمراد أنه مطهر. وأجمعت الأمة على أن وصف (طهور) يختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة.
والمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة، على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها. والمخالط للماء ثلاثة أنواع: نوع يوافقه في صفتيه جميعا وهو التراب طاهر مطهر، ونوع يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه فغيّره سلبه صلاحية التطهير وهو ماء الورد وسائر المائعات الطاهرات، ونوع يخالفه في الصفتين جميعا، وهو النجس.
ويرى الجمهور أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، والكثير لا يفسده إلا
ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه من النجاسات. ويرى أبو حنيفة أنه إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته، كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت النجاسة فيه، فإن وقعت نقطة بول في بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس.
وميّز الشافعية بين القليل والكثير بمقدار القلتين (15 صفيحة) فإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، ولم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهو طاهر مطهر، وإذا غيرت أحد أوصافه، ولو تغيرا يسيرا فنجس
لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلّتين، لم يحمل الخبث» أو «لم ينجس»
قال الحاكم: على شرط الشيخين: البخاري ومسلم.
ولا حدّ عند المالكية بين القليل والكثير، والمرجع فيه إلى العرف والعادة، فما هو قدر آنية الوضوء والغسل قليل يسير، وما يزيد عن ذلك كثير.
ولا يضر تغير الماء بما في مقره وممره كزرنيخ وطحلب وورق شجر ينبت عليه. وكذلك لا يضر ما مات في الماء مما لا دم له، أو له دم سائل من دواب الماء، كالحوت والضفدع إن لم يغيّر ريحه.
والماء المستعمل القليل في رفع حدث أو إزالة نجس طاهر مطهر عند المالكية، وطاهر غير مطهر عند الجمهور. ودليل المالكية: الآية التي وصفت الماء بالطهور والمطهر، والأصل في الثابت بقاؤه، والسنة وهو