ثم أخبر عن إنعامه العظيم وإفضاله العميم بقوله: {وَهُوَ ِالَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] يُشير إلى ثلاثة معانٍ:
أحدها: إظهار أنعامه العظيمة بهذه النعمة الجسيمة من السمع والأبصار والأفئدة.
ثانيها: مطالبة العباد بالشكر على هذه النعمة.
وثالثها: الشكاية عن العباد أن الشاكر منهم قليل، كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ، وشكر هذه النعم في استعمالها في طلحة المعم وعبودية، فشكر السمع: حفظاً عن استماع المنهيات وأن لا يسمع إلا لله وبالله وإلى الله، وشكر القلب: تصفيته عن درن الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين ولا يشهد غير لله ولا يحب إلا الله.
وبقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79] يشير إلى أن المحادثات من الله بدت وإليه تعود وليس لشيء إمكان الرجوع إلى الحضرة إلا الإنسان ودليله قوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي} [المؤمنون: 80] قلوب عباده بنور من الله وتأييد روح منه ليصلح للرجوع إلى الحضرة وعبث النفوس من صفاتها الذميمة لئلا يزاحم القلب بتكدير صفاته وتدنيسه برين مكاسبها فإنه يمرضه ويمنعه عن الرجوع إلى الحضرة، وأيضاً يحيي بعض النفوس باستيفاء شهواتها واتباع هواها {وَيُمِيتُ} بعض القلوب باستيلاء ظلمات صفات النفوس عليها فإن سم قاتل للقلوب {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] اختلاف ليالي المحبين قصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار لا إلى ونهارهم في قصر ليالي الفراق وطول نهار الوصال، وعلى مثل هذا في معاني الستر والتجلي {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ} [المؤمنون: 81] من غاية الغفلة ونهاية الضلالة.