{لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] والمراد بالباطل ما كان باطلاً في نفسه وذلك الملقى كذلك وإن سوغ نطق النبي صلى الله عليه وسلم به تأويله بأحد التأويلين ، والمراد {لاَّ يَأْتِيهِ} استمرار النفي لا نفي الاستمرار.
وقال عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون} [الحجر: 9] فجئ بالجملة الاسمية مؤكدة بتأكيدين ونسب فيها الحفظ المحذوف متعلقه إفادة للعموم إلى ضمير العظمة وفي ذلك من الدلالة على الاعتناء بأمر القرآن ما فيه.
وقد استدل بالآية من استدل على حفظ القرآن من الزيادة والنقص وما علينا ما قيل في ذلك ، وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ ولم يبق إلا زماناً يسيراً لا يخلو عن نظر ، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية على ما يتقضيه ذلك الاعتناء ، ثم إن قيل: بما روي عن الضحاك من أن سورة الحج كلها مدنية لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآناً في اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين زماناً طويلاً والقول بذلك من الشناعة بمكان ، وقال جل وعلا: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى} [النجم: 4] والظاهر أن الضمير لما ينطق به عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالدين ، ومن هنا أخرج الدارمي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: كان جبريل عليه السلام ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.