والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربّه يرتّل القرآن ترتيلاً ، ويفصّل الآي تفصيلاً في قراءته ؛ كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسّه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات ، محاكياً نغمة النبيّ صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار.
فظنّوها من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم وأشاعوها.
ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله ، وتحققِهم من حال النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعَيْبها ما عُرف منه ؛ فيكون ما روي من حزن النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة ، وقد قال الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} [الحج: 52] الآية.
قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا.
وقد قال سليمان بن حرب: إن"في"بمعنى عند ؛ أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ كقوله عز وجل: {وَلَبِثْتَ فِينَا} [الشعراء: 18] أي عندنا.
وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق ، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي ، وقال قبله: إن هذه الآية نص في غرضنا ، دليل على صحة مذهبنا ، أصل في براءة النبيّ صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله ؛ وذلك أن الله تعالى قال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ} أي في تلاوته.
فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرتِه في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولاً زاد الشيطان فيه من قِبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي.
تقول: ألقيت في الدار كذا وألقيت في الكيس كذا ؛ فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبيّ صلى الله عليه وسلم ، لا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تكلم به.