وَأَمَّا سُجُودُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، فَإِنَّهُ كَمَا [روي عن أبي] الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيّ:"مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ إِلَّا يَقَعُ لِلَّهِ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ، ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ , فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ , وَزَادَ مُحَمَّدٌ: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ"
وَقَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ}
يَقُولُ: وَيَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَثِيرٌ مِنْ بَنِي آدَمُ حَقَّ عَلَيْهِ عَذَابُ اللَّهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ بِهِ، وَهُو مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُ لِلَّهِ ظِلُّهُ.
عَنْ مُجَاهِدٍ:" {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} وَهُوَ يَسْجُدُ مَعَ ظِلِّهِ"
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَعَ قَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلُهُ: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي عِدَادِ مَنْ وَصَفَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} مِنْ صِلَةِ كَثِيرٍ، وَلَوْ كَانَ الْكَثِيرُ الثَّانِي مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي عِدَادِ مَنْ وُصِفَ بِالسُّجُودِ كَانَ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَكَثِيرٌ أَبَى السُّجُودَ، لِأَنَّ قَوْلُهُ: {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} يَدُلُّ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ , وَإِبَائِهِ السُّجُودَ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعَذَابَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمِ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يُهِنْهُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فَيُشْقِهِ، {فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمِ} بِالسَّعَادَةِ يُسْعِدُهُ بِهَا , لِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ لِطَاعَتِهِ , وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ أَرَادَ , وَيُسْعِدُ مَنْ أَحَبَّ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ إِهَانَةِ مَنْ أَرَادَ إِهَانَتَهُ , وَإِكْرَامِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ , لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ , وَالْأَمْرَ أَمْرُهُ.
{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ: «فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمِ» بِمَعْنَى: فَمَا لَهُ مِنْ إِكْرَامٍ، وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 16/}