وَأُدْخِلَتْ (إِنَّ) فِي خَبَرِ إِنَّ الْأُولَى لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْمَعْنَى، وَأَنَّ الْكَلَامَ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ كَانَ عَلَى دِينٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْيَانِ , فَفَصْلُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَالَفَهُ عَلَى اللَّهِ وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ أَحْيَانًا فِي خَبَرِ (إِنَّ) إِنَّ , إِذَا كَانَ خَبَرُ الِاسْمِ الْأَوَّلِ فِي اسْمٍ مُضَافٍ إِلَى ذِكْرِهِ، فَتَقُولُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ الْخَيْرَ عِنْدَهُ لَكَثِيرٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْخَلِيفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ... سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الْخَوَاتِيمُ
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: مَنْ قَالَ هَذَا لَمْ يَقُلْ: إِنَّكَ إِنَّكَ قَائِمٌ، وَلَا إِنَّ إِيَّاكَ إِنَّهُ قَائِمٌ , لِأَنَّ الِاسْمَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَا، فَحَسُنَ رَفْضُ الْأَوَّلِ، وَجَعْلُ الثَّانِي كَأَنَّهُ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، فَحَسُنَ لِلِاخْتِلَافِ , وَقَبُحَ لِلِاتِّفَاقِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا , شَهِيدٌ لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... (18) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ بِقَلْبِكَ، فَتَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ مِنَ الْجِنِّ وَغَيْرِهِمْ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ فِي الْأَرْضِ , وَسُجُودُ ذَلِكَ ظِلَالُهُ حِينَ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَحِينَ تَزُولُ , إِذَا تَحَوَّلَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ , فَهُوَ سُجُودُهُ.