وقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو العارفين إلى السجود لله - عَزَّ وَجَلَّ -
وهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر:
ترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ
أي: خشعت من وطي الحوافر عليها. هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني.
وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .
قال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه.
وعلى هذا فكل شيء مما خلقه الله تعالى يسجد لله حقيقة السجود ويدل عليه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] وقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء: 79] إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة في التمييز فذلك بأن الله تعالى يحدث لها في تلك الحالة عقلاً وتمييزًا، وإلا فالتمييز منها محال ما دامت على حقيقة صنعتها الأولى.
قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى. {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد. فعلى هذا قوله {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} من جملة الساجدين.