ونقف هنا وقفة قصيرة أمام ظاهرة التناسق الفني في العرض.. فإن المشهد الذي يعرضه السياق هو مشهد مكشوف في الطبيعة: الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر. وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم الله.. وكذلك يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآنية الدقيقة.
{ثم أتبع سبباً. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولا. قالوا: يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ، فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً. آتوني زبر الحديد. حتى إذا ساوى بين الصدفين قال: انفخوا. حتى إذا جعله ناراً قال: آتوني أفرغ عليه قطراً. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً. قال: هذا رحمة من ربي ، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ، وكان وعد ربي حقاً} .
ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين {بين السدين} ولا ما هما هذان السدان. كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين ، أو بين سدين صناعيين.
تفصلهما فجوة أو ممر. فوجد هنالك قوماً متخلفين: {لا يكاد يفقهون قولاً} .
وعندما وجدوا فاتحاً قوياً ، وتوسموا فيه القدرة والصلاح.. عرضوا عليه أن يقيم لهم سداً في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين ، ويغيرون عليهم من ذلك الممر ، فيعيثون في أرضهم فساداً ؛ ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم.. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم.