والمراد بالمتقين في هذه الآية: المؤمنون، كذلك قال أهل التفسير في قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أي: للمؤمنين، كأنه قال: القرآن بيان وهدى لمن اتقى الشرك، فخص المؤمنين بأن الكتاب بيان لهم دون الكفار الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب، فأما من آمن ولم يجتنب الكبائر، فهو داخل في جملة المتقين أيضًا لأنه آمن بموجب الكتاب، واتقى الشرك.
وقيل: إن الكتاب بيان بنفسه ودلالة على الحق، ولكنه أضافه إلى المؤمنين خصوصا، لانتفاعهم به، والكافر لو تأمل القرآن لوجده بيانا، فهو في كونه بيانا في نفسه لا يتخصص بقوم دون قوم، ولكنه أضيف إلى المؤمنين على الخصوص لانتفاعهم به دون الكفار كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 45] ، وكان - صلى الله عليه وسلم - منذرا لمن يخشى ولمن لم يخش.
وقال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد الفريقين من الآخر، كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:
81]وقوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113] أراد وأخرى غير قائمة.
وقال أبو ذؤيب:
فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا
(وأراد: أم غيّ) .
والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: {هُدًى لِّلنَّاسَ} فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه {هُدًى للِمُتَّقِينَ} ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم.
فأما إعراب {هُدًى} فقال أبو إسحاق: موضعه نصب من وجهين:
أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك.
والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب.
والفراء يسمي الحال هاهنا: قطعا، لأنه قال: تجعل {الكتاب} خبرا لـ {ذلك} وتنصب {هدى} على القطع، لأن {هدى} نكرة اتصلت بمعرفة، والنكرة لا تكون دليلا على معرفة.
قال: وإن شئت قطعته من الهاء التي في {فيه} ، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون موضعه رفعا من جهات:
إحداها: أن يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: (ذلك الكتاب هدى) ، أي قد جمع أنه الكتاب الموعود، وأنه هدى، كما تقول: هذا حلو
حامض، أي قد جمع الطعمين.