تغير أحوال ما قبله، وهو باق بحاله، وكانت (التاء) قريبة المخرج من (الواو) ، لأنها من أصول الثنايا، والواو من الشفة، فأبدلوها (تاء) وأدغموها في لفظ ما بعدها وهو (التاء) وقالوا: اتقى، وقد فعلوا هذا أيضًا في (الياء) وأجروها مجرى (الواو) فقالوا في (افتعل) من اليسر: أتسر، ومن اليبس: اتبس، لهذه العلة.
وإدغام (الياء) في (التاء) على هذه الجهة، إنما يجوز إذا كانت في كلمة واحدة، فإذا التقتا من كلمتين لم يجز الإدغام، نحو قولك: (في تبيانه) ، و (في تمثاله) ، وذلك أنه لو أجرى الكلام هاهنا على الإدغام، أشبه الألف واللام. هذا هو الأصل، ثم صارت التاء لازمة حتى صارت كالأصلية، لأنه لا يجوز إظهار هذا الإدغام في حال.
وقد بني على هذا الإدغام أسماء كثيرة، وهي: التُّخَمَة والتُّجَاه، والتُّرَاث، والتّقوى، والتُّكْلَان، والتُّكَلَة، والتُّؤَدَة، والتُّهمَة.
الحراني عن ابن السكيت يقال: اتَّقَاه بِحَقِّه يَتَّقِيه، وتَقَاهُ يَتَّقِيه، وأنشد عن الأصمعي قال:
أنشدني عيسى بن عمر:
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ... خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ
أي: كلها يستقبلك بفرنده.
وقال أوس بن حجر:
تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ... يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ
أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا، يصف رمحا، يقول:كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز كله. وقال أبو سعيد السكري: تقاك: وليك منه كعب.
قال: ويقال: إبلك اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار مما
يليك ووقت أنفسها بها.
وقوله: (تقاك) تقديره (تَعَلَكَ) والأصل: (اتَقَاك) ، فحذف (فاء) الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها. وقولهم في المضارع (يتقى) تقديره (يَتَعِل) .
قال الأزهري: اتَّقَى كان في الأصل (اوْتَقَى) فأدغمت الواو في التاء وشددت فقيل (اتَّقَى) ثم حذفوا ألف الوصل، والواو التي انقلبت تاء، فقيل: تَقَى يَتَقِى، بمعنى: استقبل الشيء بالشيء وتوقاه.
قال السكري: وتَقَى يَتَقِى بفتح (التاء) شاذ جدا، لأنه لا يقال: تَضح بمعنى اتَّضح، ولا تَزَن بمعنى اتَّزَن.
قال الأزهري: وإذا قالوا: تَقِيَ يَتْقَى فالمعنى: أنه صار تقيا.