فإن استقرّ العَتْب الذي هو الغضب والموجدة في النفس ، فأنت إمّا أنْ تعتب على مَنْ أساء إليك وتُوضّح له ما أغضبك ، فربما كان له عُذْر ، أو أساء عن غير قصد منه ، فإن أوضح لك المسألة وأرضاك وأذهب غضبك فقد أعتبك . . فنقول: عتَب فلان على فلان فأعتبه ، أي: أزال عَتْبه .
والإنسان لا يُعاتب إلا عزيزاً عليه يحرص على علاقته به ، ويضعه موضعاً لا تتأتى منه الإساءة ، ومن حقه عليك أن تعاتبه ولا تدعْ هذه الإساءة تهدم ما بينكما .
إذن: معنى:
{وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل: 84] .
أي: لا يطلب أحد منهم أنْ يرجعوا عما أوجب العَتْب وهو كفرهم . . فلم يَعُد هناك وقت لعتاب ؛ لأن الآخرة دار حساب ، وليست دار عمل أو توبة . . لم تَعُدْ دارَ تكليف .
ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ ...} .
{وإذا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب ...} [النحل: 85] .
كأن العذاب سيُنصب أمامهم ، فيرونه قبل أن يباشروه ، وهكذا يجمع الله عليهم ألواناً من العذاب ؛ لأن إدراكات النفس تتأذى بالمشاهدة قبل أنْ تألم الأحاسيس بالعذاب ؛ لذلك قال:
{فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ . .} [النحل: 85] .
وقوله: {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [النحل: 85] .
أي: لا يُمْهَلُون ولا يُؤجّلون .
ويقول الحق سبحانه: {وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ ...} .
ذلك حينما يجمع الله المشركين وشركاءهم من شياطين الإنس والجن والأصنام ، وكل مَنْ أشركوه مع الله وَجْهاً لوجه يوم القيامة ، وتكون بينهما هذه الواجهة . . حينما يرى المشركون شركاءهم الذين أضلّوهم وزيّنوا لهم المعصية ، وزيّنوا لهم الشرك والكفر بالله . . يقولون: هؤلاء هم سببُ ضلالنا وكُفْرنا . . كما قال تعالى عنهم في آية أخرى: {إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب} [البقرة: 166] .