وقرأ أبو بكر: {نُنْبِتُ} بنون العظمة، وقرأ الزهري {نُنَبِّتُ} بالتشدد، قيل للتكثير والتكرير، والذي يظهر أنه تضعيف التعدية، وقرأ أُبيٌّ: {يَنْبُت} من نبت، ورفع الزرع وما عطف عليه، {و} ينبت لكم بذلك الماء {الزيتون} الذي هو إدام من وجه، وفاكهة من وجه، قال في"إنسان العيون": شجرة الزيتون تعمِّر ثلاثة آلاف سنة، وهو جمع زيتونة، ويقال للشجرة نفسها: زيتونة، {و} وينبت لكم {النخيل} والنخيل والنخل بمعنى واحد، وهو اسم جمع، والواحدة نخلة كالثمرة والثمر، وفي الحديث:"أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من فضل طينة آدم، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران، فأطعموا نسائكم الولَّد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمرٌ"، كما في"المقاصد الحسنة"، {و} ينبت لكم {الأعناب} جمع عنب، وإنما جمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة، وفيه إشارة: إلى أن تسمية العنب كرمًا لم يكن بوضع الواضع، ولكنه كان من الجاهلية، كأنهم قصدوا به الاشتقاق من الكرم؛ لكون الخمر المتخذة تحثُّ على الكرم والسخاء، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن يسموه بالاسم الذي وضعه الجاهلية، وأمرهم بالتسمية اللغوية بوضع الواضع حيث قال:"لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب والحبلة"ثم بين قبح تلك الاستعارة بقوله:"إنما الكرم قلب المؤمن"يعني أن ما ظنوه من السخاء والكرم فإنما هو من قلب المؤمن لا من الخمر؛ إذ أكثر تصرفات السكران عن غلبةٍ من عقله، فلا يعتبر ذلك العطاء كرمًا ولا سخاء؛ إذ هو في تلك الحالة كصبي لا يعقل السخاء، ويؤثر بماله سرفًا وتبذيرًا، فكما لا يُحمل ذلك على الكرم، فكذا إعطاء السكران، كذا في"أبكار الأفكار".
وخصص هذه الأنواع الأربعة بالذكر للإشعار بفضلها وشرفها، وفي"البحر": وخص الأربعة بالذكر؛ لأنها أشرف ما ينبت، وأجمعه للمنافع، وبدأ بالزرع لأنه قوت أكثر العالم، ثم بالزيتون لما فيه من فائدة الاستصباح بدهنه، وهي ضرورية مع منفعة أكله، والائتدام به، وبدهنه والإطلاء بدهنه، ثم بالنخل لأن ثمرته من أطيب الفواكه، وقوت في بعض البلاد، ثم بالأعناب لأنها فاكهة محضة.