والثاني: أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس، والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) .
الوجه الثاني: أن التقدير: أن الله عرفها أثر لباس الجوع والخوف، إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فوضع موضع التعرف، وهو الاختبار تقول ناظر فلانا وذاق ما عنده:
ومن يذق الدنيا فاني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها
ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون ونهكة البدن وتغيير الحال وكسوف البال، كما تقول: تعرفت سوء أثر الجوع والخوف على فلان، كذلك يجوز أن تقول: ذقت لباس الجوع والخوف على فلان.
الوجه الثالث: أن يحمل لفظ الذوق واللبس على المماسة، فصار التقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف، ثم قال تعالى (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) ولم يقل بما صنعت لأنه أراد أهل القرية، والمعنى: فعلنا بهم ما فعلنا بسبب ما كانوا يصنعون، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عز وجل عليهم بالنعمة العظيمة وهي إرسال محمد صلّى الله عليه وسلّم وهو منهم فكفروا به وكذبوه وبالغوا في إيذائه، وأرادوا قتله فأخرجه الله من بينهم وأمره بالهجرة إلى المدينة وسلط على أهل مكة البلاء والشدائد والجوع والخوف كل ذلك بسبب تكذيبهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخروجه من بين أظهرهم.
(إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(124)