وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي (كِتَابِ التَّذْكِرَةِ) وَتَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ وَآخِرِ الْأَنْعَامِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَقِيلَ: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) أَيْ فَإِذَا جَاءَ يوم القيامة.
والله أعلم.
(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63)
(فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم.
(وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.
وَقِيلَ: (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ) أَيْ قَرِينُهُمْ فِي النَّارِ.
(الْيَوْمَ) يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْيَوْمِ لِشُهْرَتِهِ.
وَقِيلَ: يُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هذا وليكم فَاسْتَنْصِرُوا بِهِ لِيُنَجِّيَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ، عَلَى جِهَةِ التوبيخ لهم.
(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ(66)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِمَّا فِي بُطُونِهِ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: (مِمَّا فِي بُطُونِهِ) عَلَى مَاذَا يَعُودُ.
فَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ جَمْعُ الْمُؤَنَّثِ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تُخْبِرُ عَنِ الْأَنْعَامِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَا أَرَاهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَنْصِبَهُ وَلَا يَلِيقُ بِإِدْرَاكِهِ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ لَفْظُ الْجَمْعِ وَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَيُقَالُ: هُوَ الْأَنْعَامُ وَهِيَ الْأَنْعَامُ، جَازَ عود الضمير بالتذكير،
وَقَالَ الزَّجَّاجُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ مِمَّا فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَذْكُورِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّها تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مِثْلَ الْفِرَاخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهُ
وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ.