{يَعْقِلُونَ} فلأنه قال: نسقيكم {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} وقد علمنا أن الفرث لا ينعصر منه ما يسوغ للشارب، وأن الدم أحمر، فيحول بقدرة الله لبنا أبيض طيبا بعد بعده مما استحال عنه في اللون والطيب، ففيه عبرة لمن اعتبر، ولما قرن إليه ثمرات النخيل والأعناب وما يتحول من عصيرهما إلى ما يستلذ، ويجلب ما يسر سوى طيب رطبها ويابسها، احتاج ذلك إلى تدبر يعقل به صنع صانع لا يقدر غيره عليه، فلذلك قال في الثانية {يَعْقِلُونَ} . وأما اختصاص الثالثة بقوله: {يَتَفَكَّرُونَ} فلأن التفكر استعمال الفكر حالا بعد حال، وفي النحل عجائب من صنع الله تتبع كل أعجوبة أعجوبة من طاعتها لرئيسها، ثم أشكال ما تبني من بيوتها التي لو حاول الإنسان مثلها بأمثلة يحتذيها، وتقديرات يقدمها لتعذر عليه، ثم إنها تجني من أزاهير النبات والأشجار ما هداها إليه إلهام الله لها وأرشدها إليه، ثم تقلس ما يجتمع في جوفها عسلا، فهذه أشياء تقتضي فكرا بعد فكر، ونظرا بعد نظر، فلذلك عقبت بقوله: {يَتَفَكَّرُونَ}
والمسألة الثالثة: يجاب عنها بأن يقال: إن الأنعام في سورة النحل وإن أطلق لفظ جمعها فإن المراد به بعضها، ألا ترى أن الدر لا يكون لجميعها، وأن اللبن لبعض إناثها، فكأنه قال: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ولهذا ذهب من ذهب إلى أنه رد إلى النعم لأنه يؤدي ما تؤديه الأنعام من المعنى، والمراد والله أعلم ما
ذكرنا بالدلالة التي بينا وليس كذلك ذكرها في سورة المؤمنين لأنه قال: {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} فأخبر عن النّعم التي في أصناف النّعم إناثها وذكورها، فلم يحتمل أن يراد بها البعض كما كان في الأول ذلك.