ووجه ما روي عن عاصم من الرفع في مسخّرات وحدها ، أنّه لم يجعلها حالا مؤكّدة ، وجعلها خبر ابتداء محذوف ، كأنّه لما قال: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم [النحل / 12] قال بعد: هي مسخرات ، فحذف المبتدأ ، وأضمره لدلالة الخبر عليه ، وهو إذا جعله خبر ابتداء محذوف فقد علم ذلك بما تقدّم ، كما أنّه إذا جعل مسخرات حالا مؤكدة فقد علم ذلك بما تقدم ، وهذا المعنى
في الحال أسوغ منه في الخبر ، لأنّ الخبر ينبغي أن يكون مفيدا ، لم يجئ إلّا كذلك ، ألا ترى أنّه حمل قوله على الحال ، ولم يحمله على الخبر ، والحال قد جاءت مؤكّدة .
[النحل: 21 ، 20 ، 19]
اختلفوا في قوله عزّ وجلّ: والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا [النخل / 20 - 21] .
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين تدعون) كلّهن بالتاء .
وقرأ عاصم: والله يعلم ما تسرون وما تعلنون بالتاء ، والذين يدعون بالياء .
أخبرنا الخزاز عن هبيرة ، عن حفص عن عاصم: أنّه قرأهن ثلاثتهن بالياء . وقال ابن اليتيم عن أبي حفص عمرو بن الصباح عن حفص عن عاصم مثل أبي بكر عن عاصم .
وروى الكسائيّ عن أبي بكر عن عاصم: ذلك كلّه بالياء في الثلاثة .
هذا يكون كلّه على الخطاب ، لأنّ ما بعده خطاب كقوله بعد: أفلا تذكرون . وقوله: وألقى في الأرض رواسي أن
تميد بكم [النحل / 15] وإلهكم إله واحد [النحل / 22] ، فكلّ هذا خطاب ، فإن قلت: إنّ فيه (والذين تدعون من دون الله) وهذا لا يكون خطابا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولا للمسلمين ، فإنّه يكون على إرادة: قل ، كأنّه: قل لهم: (والذين تدعون من دون الله) فلا يمتنع الخطاب إذا كان على هذا الوجه ، ولهذا قرأ عاصم:
والذين يدعون بالياء ، لما كان ذلك عنده إخبارا عن المشركين ، ولم يجز أن يكون في الظاهر خطابا للمسلمين .