وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله تعالى بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته ، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟! أما قوله: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون ، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب. وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك المو هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا يا نبي الله. ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا. وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء. وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه ، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف. وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال. ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: {يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف} وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم. وقد قرئ بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير {ولا تيأسوا من روح الله} من فرجه وتنفيسه وقرئ بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد. قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه ، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله تعالى غير قادر على كل المقدورات ، أو غير عالم بجميع المعلومات ، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث ، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله. ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر فلما دخلوا