لأن أغلبهم لا يُحسن قياس ما يعطيه له منهج الله في الدنيا والآخرة ، والإنسان حين يُقبل على منهج الله ، يقيس الإقبال على هذا المنهج بما يُعطِيه له في الآخرة ؛ فلسوف يعلم أنه مهما أعطى لنفسه من مُتَع الدنيا فعُمْره فيها مَوْقُوت بالقَدْر الذي قدَّره له الله ، والحياة يمكن أن تنتهي عند أية لحظة .
والحق سبحانه حين خبأ عن الناس أعمارهم في الدنيا ، لم يَكُنْ هذا الإخفاء إبهاماً كما يظن البعض ، وهذا الإبهام هو في حقيقته عَيْن البيان ، فإشاعة حدوث الموت في أي زمن يجعل الإنسان في حالة ترقُّب .
ولذلك فميتات الفُجَاءة لها حكمة أن يعرف كل إنسان أن الموت لا سببِ له ، بل هو سبب في حَدِّ ذاته ؛ سواء كان الموت في حادثة أو بسبب مرض أو فجأة ، فالإنسان يتمتع في الدنيا على حسب عمره المحدد الموقوت عند الله ، أما في الآخرة فإنه يتمتع على قدر إمدادات الخالق سبحانه .
والإنسان المؤمن يقيس استمتاعه في الآخرة بقدرة الله على العطاء ، وبإمكانات الحق لا إمكانات الخَلْق .
وهَبْ أن إنساناً معزولاً عن أمر الآخرة ، أي: أنه كافر بالآخرة وأخذها على أساس الدنيا فقط ، نقول له: انظر إلى ما يُطلب منك نهياً ؛ وما يُطلب منك أمراً ، ولا تجعله لذاتك فقط ، بل اجعله للمقابل لك من الملايين غيرك .
سوف تجد أن نواهي المنهج إن منعتْك عن شر تفعله بغيرك ؛ فقد منعتْ الغير أن يفعل بك الشر ، في هذا مصلحة لك بالمقاييس المادية التي لا دَخْل للدين بها .
ويجب أن نأخذ هذه المسألة في إطار قضية هي"دَرْء المفسدة مُقدّم على جَلْب المصلحة".
وهَبْ أن إنساناً مُحباً لك أمسك بتفاحة وأراد أن يقذفها لك ، بينما يوجد آخر كاره لك ، ويحاول أن يقذفك في نفس اللحظة بحجر ، وأطلق الاثنان ما في أيديهما تجاهك ، هنا يجب أن تردَّ الحجر قبل أن تلتقط التفاحة ، وهكذا يكون دَرْء المفسدة مُقدّماً على جَلْب المصلحة .