96 -و {أَنْ} في قوله: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} صلة؛ أي: زائدة لتأكيد الفعلين واتصالهما حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان من غير فاصل وقت؛ أي: فلما جاء البشير وهو ابنه يهوذا الذي يحمل القميص من يوسف، وهو الذي حمل إليه قميصه الملطخ بالدم الكذب ليمحو السيئة بالحسنة {أَلْقَاهُ} ؛ أي: ألقى البشير القميص وطرحه {عَلَى وَجْهِهِ} ؛ أي: على وجه يعقوب {فَارْتَدَّ} يعقوب؛ أي: عاد ورجع يعقوب من فوره {بَصِيرًا} ؛ أي: ذا بصر كما كان قبل فراق يوسف. والارتداد: انقلاب الشيء إلى حال كان عليها، وهو من الأفعال الناقصة؛ أي: عاد ورجع بصيرًا بعدما كان قد عمي، ورجعت قوته وسروره بعد الضعف والحزن، بل قد قيل: إنه عادت إليه سائر قواه، وليس ذلك بعجيب ولا منكر، فكثيرًا ما شفى السرور من الأمراض، وجدد قوى الأبدان والأرواح، والتجارب وقوانين الطب شاهد صدق على صحة ذلك، وقد أجاب يعقوب من لاموه بما كان عليه من علم قطعي من ربه بصدق ما يقول، كما قال سبحانه: {قَالَ} لهم يعقوب: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} يا بني حين أرسلتكم إلى مصر وأمرتكم بالتجسس، ونهيتكم عن اليأس من روح الله: - والاستفهام فيه تقريري - {إِنِّي أَعْلَمُ} بالوحي {مِنَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى لا بالخطرات من الأوهام {مَا لَا تَعْلَمُونَ} من حياة يوسف وإنزال الفرج، وقد ذكرهم الآن إذ عاد بصيرًا بما كان قد قاله لهم حين أبيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ قال: هو ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك؟ قال: على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمّت النعمة.
(نبذة في تعليل شم يعقوب رائحة يوسف)
أثبت العلم حديثًا أن الريح تحمل الغبار وما فيه من قارة إلى أخرى، فتحمله من إفريقية مثلًا إلى أوروبا، وهي مسافة أبعد مما بين مصر وأرض كنعان من بلاد الشام، وهي بلا شك تحمل رائحة ما له منها رائحة، ولكن الغريب شم البشر لها من المسافات البعيدة، والإنسان إذا قيس بغيره من الوحوش والحشرات كان أضعف منهما شمًّا.