{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي: من الأبواب المتفرقة: {مَّا كَانَ} أي: ذلك الدخول: {يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} أي: أبداها {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} أي: علم جليل ، لتعليمنا إياه بالوحي ، ونصب الأدلة ، حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر ، وأن التدبير له حظ من التأثير . وفي تأكيد الجملة بـ (إن) و (اللام) وتنكير العلم ، وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه ؛ من الدلالة على شأن يعقوب عليه السلام ، وعلو مرتبة علمه وفخامته ما لا يخفى - أفاده أبو السعود - .
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فيظنون الأسباب مؤثرات .
قال ابن حزم في"الملل": كان أمر يعقوب عليه السلام بدخولهم من أبواب متفرقة ، إشفاقاً عليهم ، إما من إصابة العين ، وإما من تعرض عدو ، أو مستريب بإجماعهم ، أو ببعض ما يخوفه عليهم . وهو عليه السلام معترف أن فعله ذلك ، وأمره إياهم بما أمرهم به من ذلك ؛ لا يغني عنهم من الله شيئاً يريده عز وجل بهم . ولكن لما كانت طبيعة البشر جارية في يعقوب عليه السلام ، وفي سائر الأنبياء عليهم السلام ، كما قال تعالى حاكياً عن الرسل أنهم قالوا: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [إبراهيم: من الآية 11] ، حملهم ذلك على بعض النظر المخفف لحاجة النفس ونزعها وتوقها إلى سلامة من تحب ، وإن كان ذلك لا يغني شيئاً ، كما كان عليه السلام يحب الفأل الحسن .
تنبيه:
قال السيوطي في"الإكليل": في هذه الآية - على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما - أن العين حق ، وأن الحذر لا يرد القدر . ومع ذلك لا بد من ملاحظة الأسباب . انتهى .