واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس ، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام ، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلاً ، وهذان القسمان متباعدان جداً ويتوسطهما قسم ثالث ، وهو الذي يؤثر ويتأثر ، وهو عالم الأرواح ، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله ، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه ، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه ، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة.
وقوله تعالى: {قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك} إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله: {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله ، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء ، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه ، فكان الحاصل في الحقيقة بعضاً من أبعاض الملك ، وبعضاً من أبعاض العلم ، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة"من"لأنها دالة على التبعيض ، ثم قال: {فَاطِرَ السماوات والأرض} وفيه أبحاث:
البحث الأول: في تفسير لفظ الفاطر بحسب اللغة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها.
قال أهل اللغة: أصل الفطر في اللغة الشق يقال: فطر ناب البعير إذ بدا وفطرت الشيء فانفطر ، أي شققته فانشق ، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا تصدعت ، هذا أصله في اللغة ، ثم صار عبارة عن الإيجاد ، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه في ظلمة وخفاء فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه.