{تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} هذا دعاء من يوسف إلى الله بحسن الخاتمة والموت على الإسلام، واللحاق بالصالحين في دار السلام، حتى يتم الله عليه نعمته في الآخرة كما أتمها عليه في الدنيا.
وكلمة (الصالحين) متى وردت في الذكر الحكيم فالمراد بها كل مؤمن أدى ما عليه من حقوق الله وحقوق العباد، من أي جيل كان، قديما أو حديثا، ولو كان مجهول القبة مجهول التاريخ، لا قبة عليه ولا ضريح، فالعبرة في هذا اللقب لقب"الصلاح"و (الصالحين) إنما هي بمجرد العمل الصالح المقبول عند الله، لا بما سواه.
وقوله تعالى هنا حكاية عن يوسف عليه السلام {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} لا يلزم أن يكون سؤالا ناجزا للموت وتمنيا لها في الحين، كما فهمه بعض المفسرين، وإنما هو من باب الدعاء
المعتاد كقول الداعي: (اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين) . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال الموت وتمنيها. روي في الصحيحين وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب -أي يسترضي ربه ويتوب- ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرا لي) .
وقوله تعالى عند انتهاء قصة يوسف {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} تعليق على هذه القصة وما شابهها من قصص الأنبياء، بأن العلم بها والإطلاع على دقائقها، دليل جديد يضاف إلى دلائل النبوة، فهي من قبيل العلم بالمجهول، الذي كان مغيبا عن الرسول، إذ الرسول عليه السلام لم يعاصر يوسف ولا إخوته، ولم يشاهد الظروف التي لابست قصته، ومع ذلك فإن الوحي يأتيه بلبها، ويكشف له عن سرِّها، لما فيها من حِكَم وعِبَر، يتَّعظ بها من تقدم ومن تأخر.
ثم عقب كتاب الله على ذلك كله بأنه مهما كان حرص الرسول عظيما على إيمان الناس وهدايتهم بجميع الوسائل، فإنه لا سبيل إلى إلجائهم للإيمان وإكراههم عليه {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} .