و لذلك دلالة لابد من الوقوف عليها: لقد كان يوسف هو المقصود بالإساءة، وهي إساءة مقصودة، متعمدة، جاءت إثر حوار ونقاش وتداول، بينما لم يكن أثر ذلك على أبيهم مقصوداً لذاته، متعمداً، وإنما جاء نتيجة فعلهم مع يوسف. فلما وقفوا أمام من تقصدوا إلحاق الأذى به، وقد أصبح ذا قوة وسلطان، وهو قادر _ لو أراد _ أن يقتص من إخوته، كانوا أشد حرصاً على الاعتذار إليه واسترضائه، لذا جاء اعترافهم - كما اعتذارهم - مؤكداً.
ولربما كانوا أبلغ اعتذاراً أمام يوسف من أبيهم كونهم وثقوا من أن أباهم - بحكم عاطفة الأبوة - سيكون أكثر استعداداً للصفح والمسامحة. وهذا ما لا يتوقعونه من أخيهم، وقد سعوا في إيذائه وحاولوا التخلص منه.
-وتحققت رؤيا يوسف (عليه السلام) والتفت إلى أبيه (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) وقد توجه بخطابه إلى أبيه لأنه من قص عليه رؤياه وهو صغير فأوّلها له، وكل ما جاء في تأويل الرؤيا أول القصة جاء دون توكيد (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .