التشبيه هو بين الحال التي تنقل فيها يوسف من الجب والرق والتحكم في مشاعره، حتى كان كل أحاسيسه ملكا لمن كان عندها، حتى صار حاكم مصر، أخصب المناطق في عصره. وإرادة اللَّه تعالى التمكين، أي كهذا الذي رآه القارئ في القصة كان تمكين اللَّه ليوسف عليه السلام، فهذا التشبيه يفيد أن ما كان ليوسف في هذه الأدوار كان بتمكين اللَّه.
ثم ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي نجزي الذين يتصفون بالإحسان، والإحسان يقتضي استقامة العقول، وإخلاص القلوب، والقول الطيب والعمل الصالح، وغير ذلك مما يدخل في معنى الإحسان، وهذا جزاء دنيوي مداره التوفيق في القول والعمل. وفي الآخرة خير منه، ولذا قال تعالى:
(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(57) (اللام) لام التوكيد، والآية الكريمة تبين أن أجر الآخرة خير من هذا الذي رأيناه ليوسف الصديق عليه السلام وإنما يستحقه من كان فيه وصفان:
الوصف الأول: الإيمان، فقال: (لِّلَّذِينَ آمَنُوا) ، وقد أطلق الإيمان، ليشمل الإيمان باللَّه تعالى، وهو رأس الإيمان، والإيمان بالحق، والإيمان
بالفضائل، والإيمان بحقوق الناس وحماية هذه الحقوق، ويصح أن نقول إن الإيمان باللَّه تعالى يتضمن هذا كله.
الوصف الثاني: التقوى، ولذا قال تعالى: (وَكانُوا يَتَّقُونَ) ، أي استمروا على التقوى، والتقوى استشعار خشية اللَّه تعالى، وأن يجعلوا بينهم وبين المفاسد أيا كانت وقاية من الاندحار في مخازي الشيطان.
اللقاء
ألقى الإخوة أخاهم في الجب، ثم كذبوا على أبيهم وصاروا لَا يعلمون من أمره شيئا، وما كان يجول بخاطرهم أنهم سيلقونه ملكا حاكما، يمدون أيديهم طالبين منه العون، ولكن ما لم يكونوا يتصورونه كان أمرا واقعا رأوه، ولم يعرفوه؛ لأنهم تركوه غلاما صغيرا، ولكنه عرفهم، وهذا قوله تعالى:
(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ(58)
ولقد صدق بهذا اللقاء إلهام اللَّه تعالى في وحيه إذ قال تعالى: