ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما قاله يوسف لمن ظَنَّ أنه سينجو من السجن: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ ...} .
والمقصود هنا هو السجين الذي رأى حُلْماً يعصر فيه العنب ، فهو الذي فسر له يوسف رؤياه بأنه سينجو ؛ ويواصل مهمته في صناعة الخمر لسيده .
وقوله سبحانه:
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ . .} [يوسف: 42] .
يعني أن الأمر بالنجاة لم يتيقن بعد ، ولم يصبح علماً .
وقد أوصاه يوسف عليه السلام:
{اذكرني عِندَ رَبِّكَ ...} [يوسف: 42] .
والذكر هو حضور شيء بالبال ؛ وكان له بالبال صِلَة استقبال ، مثل أي قضية عرفتَها من قبل ثم تركتَها ، ونسيتَهَا لفترة ، ثم تذكرتَها من جديد .
وهكذا نعلم أن للإنسان استقبالات للإدراكات ، وهي لا تظل في بُؤْرة الشعور كل الوقت ؛ لأن الذهن لا يستطيع أن يكون مشغولاً إلا بشيء واحد ، فإن جاء شيء آخر فهو يزحزح الأمر الأول إلى حافة الشعور ، ليستقر الأمر الجديد في بؤرة الشعور .
والمثل الذي أضربه دائماً هو إلقاء حجر في الماء ، فيصنع الحجر دوائر تكبر ويتتابع اتساع أقطارها ، وهكذا بؤرة الشعور ، حين تستقبل أمراً أو خاطراً جديداً .
فالخاطر الجديد يُبعد كل الخواطر الأخرى من المركز إلى الحاشية ، ثم يأتي ما يُذكِّرك بما في حاشية الشعور ؛ ليعود لك الخاطر أو الأمر الذي كنت قد نسيتَه وتتذكره بكل تفاصيله ؛ لأن ذاكرة الإنسان تعمل على مُسْتويين ؛ فهي تحفظ المعلومات ؛ وتسترجع المعلومات أيضاً .
وقد قال يوسف لمن ظن أنه نَاجٍ:
{اذكرني عِندَ رَبِّكَ . .} [يوسف: 42] .
أي: اذكر ما وجدته عندي من خير أمام سيدك .
وقال بعض المفسرين: إن يوسف عليه السلام حين نطق هذا القول ؛ شاء له الله أن يمكث في السجن بضع سنين ؛ فما كان ينبغي له كرسول أن يُوسِّط الغير في مسألة ذِكْره بالخير عند سيد ذلك السجين .