{وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا} يذكره عند سيده ليكون ذلك سبباً لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الذي نجا من الغلامين ، وهو الشرابي ، والمعنى: إنساء لشيطان الشرابي ذكر سيده ، أي: ذكره لسيده فلم يبلغ إليه ما أوصاه به يوسف من ذكره عند سيده ، ويكون المعنى: فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف مع خلوصه من السجن ، ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك ، وقد رجح هذا بكون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء.
وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف ، ونسبته إلى الشيطان على طريق المجاز ، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلاّ فيما يخبرون به عن الله سبحانه ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني"ورجح أيضاً بأن النسيان ليس بذنب ، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين ، وأجيب بأن النسيان هنا بمعنى الترك ، وأنه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه ، ويؤيد رجوع الضمير إلى يوسف ما بعده من قوله: {فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ} ويؤيد رجوعه إلى الذي نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي: {وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] سنة.
{فَلَبِثَ} أي: يوسف {فِى السجن} بسبب ذلك القول الذي قاله للذي نجا من الغلامين ، أو بسبب ذلك الإنساء {بِضْعَ سِنِينَ} البضع: ما بين الثلاث إلى التسع كما حكاه الهروي عن العرب ، وحكي عن أبي عبيدة أن البضع: ما دون نصف العقد ، يعني: ما بين واحد إلى أربعة.
وقيل: ما بين ثلاث إلى سبع ، حكاه قطرب.
وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس.