وكانت هذه هي اللغة التي يتفوق فيه إنسان ذلك الزمان كملكة ، وهي تختلف عن اللغة التي نكتسبها الآن ، ونصقلها في مدارسنا ، وهي لغة تكاد تكون مصنوعة ، فما بالنا بالذين لم يتعلموا العربية من قبل من المستشرقين ، ويتعلمون اللغة على كِبَر .
وهؤلاء لم يمتلكوا صفاء اللغة ، لذلك حاولوا أن يطعنوا في القرآن ، وادعى بعض أغبيائهم أن في القرآن لحناً ، قالوا ذلك وهم الذين تعلموا اللغة المصنوعة ، رغم أن من استقبلوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الفصاحة ، لم يجدوا في القرآن لحناً ، ولو أنهم أخذوا لحناً على القرآن في زمن نزوله ؛ لأعلنوا هذا اللحن ؛ لأن القرآن نزل باللغة الفصيحة على أمة فصيحة ، بليغة صناعتها الكلام .
ولأمرٍ ما أبق الله سبحانه صناديد قريش وصناديد العرب على كفرهم لفترة ، ولو أن أحداً منهم اكتشف لحناً في القرآن لأعلنه .
وذلك حتى لا يقولن أحد أنهم قد آمنوا فستروا على القرآن عيوباً فيه . ولو كان عند أحدهم مَهْمَزٌ لما منعه كفره أن يبين ذلك ، فهل يمكن لهؤلاء المستشرقين الذين عاشوا في القرن العشرين أن يجدوا لحناً في القرآن ، وهم لم يمتلكوا ناصية اللغة ملكة ، بل تعلموها صناعة ، والصنعة عديمة الإحساس الذوقي .
ومثال ذلك: عدم فهم هؤلاء لأسرار اللغة في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، فالحق سبحانه يقول:
{وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [هود: 111] .
أي: أن كل واحد من الذين صدَّقوا أو من الذين كذَّبوا ، له توفية في الجزاء ، للطائع الثواب ؛ وللعاصي العقوبة .
وكلمة"إنَّ"كما نعلم هي في اللغة"حرف توكيد"في مقابلة مَنْ ينكر ما يجيء بعدها .
والإنكار كما نعلم مراحل ، فإذا أردت أن تخبر واحداً بخبر لا يعلمه ، فأنت تقول له مثلاً:"زارني فلان بالأمس".