فكأنهم قدروا أنها كانت متحركة ثم سكنت للجزم كسائر الحروف، وتحريكهم لها في الشعر يدل أيضًا على أنها عندهم بمنزلة سائر الحروف، وذلك نحو قول الشاعر:
فيومًا يوافين الهوى غير ماضِيٍ
وأما من حذف في الوصل والوقف، فلأنه جعلها بمنزلة ما استعمل محذوفًا مما لم يكن ينبغي في القياس أن يحذف، نحو ولم يكُ ولا أدر.
وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ} أي من الأنفس في ذلك اليوم؛ لأن النفس في قوله: {لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ} لم يرد به واحداً، فصار كقوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] وقوله تعالى: (شقي) يقال: شقي، يشقى، شقاء، وشقاوة، وشِقْوة، وأصل معنى الشقاء في اللغة: الشدة والعسرة يقال: شاقيت فلانا مشاقاة: إذا عاسرته وعاسرك قال:
إذا تشاقى الصابرات لم يرث
يعني: جملاً يصابر جمالًا على شدة المشي والتعب، قال ابن عباس: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ} كتبت عليه الشقاوة، {وَسَعِيدٌ} كتبت عليه السعادة.
106 -قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِير} ، قال الليث: الزفر والزفير أن يملأ الرجل صدره غمًا ثم هو يزفر به، فالزفير إخراج النفس، والشهيق رد النفس. يقال شهق يشهق، وبعضهم يقول: شهوقًا، ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد، وهو قول جميع أهل اللغة، والإنسان إذا زفر فمد نفسه للإخراج ارتفع صدره وانتفخ جنباه، ومن هذا يقال للفرس: إنه عظيم الزفرة، أي عظيم الجوف.
وأنشد للجعدي:
خِيطَ على زَفْرَةٍ فتمَّ ولم ... يَرْجع إلى دِقةٍ ولا هَضَمِ
يقول: كأنه زافر أبدًا من عظم جوفه، فكأنه زفر فخيط على ذلك، وقال ابن السكيت في قول الراعي:
حوزيَّة طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نَزَلن نُزُولًا
يريد كأنها زفرت ثم خَلِقتْ على ذلك.