ولا في هذه إلا في باطن من الأمر والنهي، وحكم الفيح والفتح والإيمان والكفر،
ثم يصيرهم بعد الموت إلى هذه أو هذه في خلود ما دامت السماوات والأرض، ثم
يخرجهم منها للتوقيف والعرض بجميع أحكام ذلك، ثم يعيدهم إلى هذه أو هذه
في الخلود الدائم السرمد، فرجعت بذلك دائرة الكونين أولاها على أخراها،
جعلنا الله من المكرمين في ذلك كله إنه هو الولي الحميد.
(فصل)
اعلم - وفقنا الله وإياك - أن علم المتقين تتفاوت علومهم على مقدار
درجاتهم، وتفاوت محالهم إعلامًا علمًا بالإضافة إلى من ليس بمَلك ولا
رسول علوم الصديقين؛ وشهداء العلماء وهو إيمانهم بالغيب، ثم علم المتقين
يتلوه في الدرجة الثانية دونه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)
إلى قوله جلَّ قوله: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4) .
وقد تقدم في صدر الكتاب أن علم الغيب على درجات، فالعلم بالله - جلَّ جلالُه -
ووجوده ووحدانيته وألوهيته، والعلم بأسمائه - جلَّ جلالُه - وصفاته بدلائل ذلك، وبراهينه
وشواهده من الموجود والكتاب، ثُمَّ العلم بالكتاب والرسول والنبوة، وما جاءت به
وما نحا نحو ذلك وما جر إليه، ثم العمل بالعلم والعلم بالآخرة، وإنها موجودة
على أبعد الغايات وأنهى النهايات على القول بالإجمال، والقطع بعلم: لا ريب فيه
وربما أدرك بعضهم من التفصيل طرفًا لكن بشرط الإيمان بأن وراء ما أدركه ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يعلم لذلك أنبياءه بعلم لا
ريب فيه، ثم ما بين هذه المنزلة والمنزلة التي أدركها بتفصيل ما مهامه علوم بعيدة
الآفاق، وبحار معارف لا يعبرها إلى ذلك المزيد إلا صريح الإيمان مع طمأنينة
النفس، ومساعدة العقل الإيمان، وانشراح الصدر لعظائم ترد على خارجة
عن المعهود، فهذا وشبهه من علوم الموقنين.
ثم - أعلم علمك الله العليم من علمه وأجزل حظك من معرفته - أن العلم
الذي يخص الصديقين واحد إلى ما تقدم ذكره هو علم واحد أوله علم الفطرة،