وَاخْتَلَفَتْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ وَإِنَّ كُلًّا لَمِمَّا لِيُوَفِّيهِمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ، وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْمِيمَاتُ حُذِفَتْ وَاحِدَةٌ فَبَقِيَتْ ثِنْتَانِ، فَأُدْغِمَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْأُخْرَى، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
وَإِنِّيَ لَمَّا أُصْدِرُ الْأَمْرَ وَجْهَهُ ... إِذَا هُوَ أَعْيَا بِالنَّبِيلِ مَصَادِرُهُ
ثُمَّ تُخَفَّفُ، كَمَا قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: «وَالْبَغْي يَّعِظُكُمْ» يُخَفِّفُ الْيَاءَ مَعَ الْيَاءِ، وَذُكِرَ أَنَّ الْكَسَائِيَّ أَنْشَدَهُ:
[البحر الكامل]
وَأَشْمَتَّ الْعُدَاةَ بِنَا فَأَضْحَوْا ... لَدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقَيْنَا
وَقَالَ: يُرِيدُ: لَدَيَّ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيَنَا، فَحَذَفَ «يَاءً» لِحَرَكَتِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِّنَّ؛ قَالَ: وَمِثْلُهُ:
[البحر الرجز]
كَانَ مِنْ آخِرِهَا إِلْقَادِمِ مَخْرِمَ نَجْدٍ فَارِعِ الْمَخَارِمِ وَقَالَ: أَرَادَ إِلَى الْقَادِمِ، فَحَذَفَ الْلَّامَ عِنْدَ الْلَّامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: {وَإِنَّ كُلًّا} شَدِيدًا وَحَقًّا لَيُوَفِّيهِمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ. قَالَ: وَإِنَّمَا يُرَادُ إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا} بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ، وَلَكِنَّ قَارِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ مِنْهُ التَّنْوِينَ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظِ «فَعَلَى» لَمَّا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} فَقَرَأَ «تَتْرَى» بَعْضُهُمْ بِالتَّنْوِينِ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ: «لَمَّا» بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ آخَرُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، كَمَا قَرَأَ {لَمَّا} بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَنْ قَرَأَهُ، وَقَالُوا: أَصْلُهُ مِنَ الْلَّمِّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمَّا}
يَعْنِي أَكْلًا شَدِيدًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: وَإِنْ كَلَّا إِلَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ، كَمَا