فالبغي في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاةُ وتستحسنها الغواةُ لتمتعهم به من حيث أخذُ المالِ والتشفّي من الأعداء ونحوُ ذلك، لكن ذلك ليس بتمتع في الحقيقة بل هو تضرّر من حيث لا يحتسبون، وإنما يظهرُ لهم ذلك عند إبرازِ ما كانوا يعملونه من البغي بصورة الحقيقة المضادّةِ لِما كانوا يشاهدونه على ذلك من الصورة، وهو المرادُ بالتنبئة المذكورةِ والله سبحانَهُ وتعالَى أعلمُ.
{وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) }
وتقديمُ المفعولِ على الفاعلِ للاهتمام ببيان أن المصونَ من الرهَق أشرفُ أعضائِهم، وللتشويق إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخرَ تبقى النفسُ مترقبةً لوروده، فعند ورودِه عليها يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ، ولأن في الفاعل ضربَ تفصيلٍ كما في قوله تعالى {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} وقوله عز وجل {وَجَاءكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ}
{أولئك} إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بالصفات المذكورةِ، وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهم وسموّ طبقتِهم. أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من النعوت الجميلةِ الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره.
{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) }