{بِهِمُ} بالذين فيها، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ بما لهم من سوء الحالِ الموجبِ للإعراض عنهم كأنه يذكر لغيرهم مساوئ أحوالِهم ليعجِّبهم منها ويستدعيَ منه الإنكارَ والتقبيحَ.
وقيل ليس فيه التفاتٌ بل معنى قوله تعالى {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك} إذا كان بعضُكم فيها إذ الخطابُ للكل ومنهم المسيَّرون في البر، فالضميرُ الغائبُ عائدٌ إلى ذلك المضافِ المقدر كما في قوله تعالى {أَوْ كظلمات فِي بَحْرٍ لُّجّيّ يغشاه} أي أو كذي ظلماتٍ يغشاه موجٌ.
{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) }
{ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} عطفٌ على ما مر من الجملة المستأنفةِ المقدرةِ كأنه قيل تتمتعون متاعَ الحياةِ الدُّنيا ثم ترجِعون إلينا وإنما غُيّر السبكُ إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجارِّ والمجرور للدِلالة على الثبات والقصرِ
{فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدُّنيا على الاستمرار من البغي وهو وعيدٌ بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما فعلت، وفيه نكتةٌ خفيةٌ مبنية على حكمة أبية وهي أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مغايرةٍ لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة، فإن المعاصيَ مثلاً سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوسُ العصاةِ، وكذا الطاعاتُ مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهةٍ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم"حفت الجنة بالمكاره وحُفّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ"