وقيل: إنه تعالى علم أنَّ الرسول لم يشك في ذلك، إلاَّ أنَّ المقصود منه أنَّهُ متى سمع هذا الكلام فإنَّهُ يصرخ ويقول «يا ربّ لا أشك، ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب، بل يكفيني ما أنزلته عليَّ من الدلائل الظاهرة» ونظيره قوله تعالى للملائكة: {أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] والمقصودُ أن يُصرِّحُوا بالجواب الحق ويقولوا: {سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن} [سبأ: 41] .
وكقوله لعيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116] والمقصود منه أن يصرح عيسى بالبراءة عن ذلك. وقيل: التقدير إنَّك لسيت بشاك البتة. ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة الشَّك كقوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] أي: أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً؛ لزم فيه المحال الفلاني، فكذا هاهنا، ولو فرضنا وقوع الشَّك فارجع إلى التَّوراةِ، والإنجيل لتعرف بهما أنَّ هذا الشك زائل.
والوجه الثاني من وجهي إنْ أنَّها نافيةٌ. قال الزمخشري: «أي: فما كنتَ في شكٍّ فاسأل، يعني لا نأمرك بالسُّؤال لكونكَ شاكاً، ولكن لتزداد يَقِيناً كما ازداد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - بمعاينة إحياء الموتى» وهذا القول سبقه إليه الحسنُ البصريُّ والحسينُ بنُ الفضل، وكأنَّهُ فرارٌ من الإشكال المتقدِّم في جعلها شرطية، وقد تقدَّم جوابه من وجوهٍ.
قال القرطبي: قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزَّاهد: سمعت الإمامين: ثَعْلباً والمبرد يقولان: معنى: «فإن كُنتَ في شكٍّ» أي: قُلْ يا محمَّدُ للكافر: فإن كُنتَ في شكٍّ {فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ} .
وقال الفراء: أعْلمَ اللهُ أنَّ رسولهُ غير شاكٍّ، لكنَّه ذكره على عادة العرب، يقول الواحدُ لعبده: إن كنت عبدي فأطِعْني، ويقول لولده افعل كذا إن كنت ولدي، ولا يكونُ ذلك شكّاً.