إذن: فلا تعارض بين محاربة العدو البعيد والعدو القريب . ولا تَعارض بين قوله الحق: {قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار} وقوله سبحانه: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} ؛ لأن معنى {كَآفَّةً} أي: جميعاً ، ولكن الجماعة لها أولوية . فخذ القريب منك ؛ لتضمه إليك ، فإذا كان الخصم معه سيف ومعك سيف ، وبعد ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده ؛ فأخذته ؛ فبذلك يصبح معك سيفان وهو لا سيف معه .
ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار: اعتبروا أيها الكفار ، فأنتم لا ترون الأرض كل يوم وهي تنقص من تحت أقدامكم ، وما ينقص من أرض الكفار يزيد في أرض الإيمان . وما دام الحق قد جاء بكلمة"قتال"فهذه الكلمة تحتاج إلى عزيمة ، وجرأة تُجَرِّيء على القتال ، وصبر عليه ، فقد تجد في مواجهتك من هو أقوى منك أو من هو أشجع منك ، فإن رأى شجاعة منك تفوق شجاعتهن وأحسَّ منك قوة ومثابرة تفوق قوته ومثابرته ، فهذا ينزع من قلبه الأمل في الانتصار عليك ؛ ولذلك يقول الحق:
{وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} والغلظة صفة ، ويقال: غِلْظَة ، وغُلْظَة ، وغَلْظَة ، والمعروف أنها الشدة ، فحين تضرب عدوكَ اضربه بقوة ، وبجرأة ، وبشجاعة .
وحين يحاول عدوك أن يضربك استقبلْ الضربة بتحمُّل ، وهكذا نجد أن الغلظة مطلوبة في حالتين اثنتين ؛ في حالة الإرسال منك ، وفي حالة الاستقبال منه ، فلا يكفي أن تضرب عدوك ضربة قوية ، وحين يردُّ لك الضربة تخور وتضعف . إن الحق يطلب منك غلظة تحمِلُ على عدوّك ، وغلظة تتحمَّل من عدوّك .
ولذلك نجد آية آل عمران يقول فيه الحق: {اصبروا ...} [آل عمران: 200]
ولكن هَبْ أن عدوَّك يصبر أيضاً ، فيأتي الأمر من الحق: {وَصَابِرُواْ ...} [آل عمران: 200]