أي: حاول أن تغلبه في الصبر . وحذَّر الحقُّ من إلقاء السلاح بعد انتهاء المعركة ؛ لأن العدو قد يستنيم المؤمن ؛ لذلك جاء الأمر من الحق: {وَرَابِطُواْ ...} [آل عمران: 200]
أي: استقر أيها المؤمن في الأرض ؛ ليعلم العدو أنك تنتظره إن حاول الكرّة من جديد أو حدَّثته نفسه بالقتال مرة أخرى . إذن: فالغلظة تطلب منك أن تهاجم ، وتطلب منك أن تتحمّل ، والتحمُّل يقتضي صبراً ، والتحامل يقتضي شجاعة ، فإذا ما كان في خصمك صبر وشجاعة ؛ فعليك أن تصابره أي: تصبر أكثر منه ، وهي مأخوذه في الأصل من"نافس فلان فلاناً . . أي سابقه وحاول أن يسبقه"، والمنافسة من النفس ، والحق يقول: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون} [المطففين: 26]
أي: تنافسوا في الخير ، ونحن نعلم أن تركيبة النفس الإنسانية تحتاج إلى شيء مرة أو مرتين في اليوم ، وتحتاج إلى شيء ثالث دائماً . فأنت في الأكل تأكل ثلاث وجبات ، وفي الشراب تحتاج إلى لترين أو أربعة من الماء أو أكثر . أما التنفس فأنت لا تصبر على الانقطاع عنه ، وهو أهم الضروريات لحياة الإنسان .
وقلنا قديماً: إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه قد يملك إنسان طعامَ إنسان ، وقد يستطيع الإنسان الصبر عن الطعام لأسابيع ، ولا يصبر الإنسان عن انقطاع الماء إلا أياماً تتراوح من ثلاثة إلى عشرة ، حسب كمية المياه التي في جسمه ؛ لذلك لم يُملِّك الحق سبحانه الماء مثلما مَلَّك الطعام ، وأما الهواء فأنت لا تصبر على افتقاده للحظات ؛ ولذلك لم يملِّك الله الهواء لأحد أبداً ، وكأنه سبحانه علم أن عباده غير مأمونين على بعضهم البعض ، ولذلك سُمّي استنشاق الهواء وزفيره بالتنفس ، وهو من النفس ، وهو سبب وجود النفْس وهي مزيج من المادة والروح ، والأساس هو نَفَس الهواء الذي يضمن استمرار النفس في الحياة .