وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشيء النفيس ، وهو إعلاء منهج الله . وحين تصابر أهل الباطل ، فكل واحد من أهل الباطل قد يصابر لجاجة لمدة قصيرة ثم يتراجع ؛ لأن الباطل زهوق ، وهنا يقول سبحانه: {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة ، بل تعني أنك تَطَلّبَ الأمُر فيجب أن تتوافر فيك ، وكذلك قلنا: إن الله لم يطبع المؤمن على الغلظة ، ولم يطبعه على الشدة ، ولم يطبعه على العزة ، بل قال:
{أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ...} [الفتح: 29]
وقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين ...} [المائدة: 54]
ويُنهي الحق الآية:
{واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} . إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار بعددك وعُدَّتك ، ولكن العدد والعدة أمران مطلوبان ؛ لتدخل المعركة ، وعندك شيء من الاطمئنان . ومثال هذا من يسلك مفاوز أو صحاري مقفرة أو طريقاً موحشاً ، ويحتمل أن يصادف قُطَّاع طريق ، نجده يستعد بحمل سلاح ؛ فهو يعطيه شيئاً من الاطمئنان فقط ، وهكذا الحال مع العدد والعدة .
أما النصر فهو من المدد الرَّبَّاني من الحق سبحانه وتعالى . وما دام الله مع المتقين ، ولله معيَّة مع المتقين فلا بد أن يمدهم بمدده ؛ لذلك جاء الحق هنا بقوله: {أَنَّ الله مَعَ المتقين} لننتبه إلى أن الداخل في الحق هو من سيسلك سلوكاً غليظاً مع الأعداء ، وقد يسلك بالغلظة طمعاً في المغنم ، فيدخل على الكافرة بالقسوة ، وقد يكون قلب هذا الكافر مستعداً للإيمان ، فيقول: أسلمت واستسلمت ، لكن من دخل عليه تعجبه مطية هذا الكافر ، ويعتبرها مغنماً .