وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، دليل على أن مَن نذر الصدقة بكُلِّ ماله ، لم يلزمه إخراجُ جميعه ، بل يجوز له أن يُبقى له منه بقية ، وقد اختلفت الرواية فِي ذلك ، ففى"الصحيحين"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ"ولم يُعيِّن له قدراً ، بل أطلق ووكله إلى اجتهاده فِي قدر الكفاية ، وهذا هو الصحيح ، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به ، فنذره لا يكون طاعة ، فلا يجب الوفاء به ، وما زاد على قدر كفايته وحاجته ، فإخراجه والصدقة به أفضل ، فيجب إخراجُه إذا نذره ، هذا قياسُ المذهب ، ومقتضى قواعِد الشريعة ، ولهذا تُقدَّم كفاية الرجل ، وكفايةُ أهله على أداء الواجبات المالية ، سواء أكانت حقاً لله كالكفَّارات والحَجِّ ، أو حقاً للآدميين كأداء الديون
فإنَّا نترك للمفلس ما لا بُدَّ منه من مسكن ، وخادم ، وكسوة ، وآلةِ حِرفة ، أو ما يتَّجِرُ به لمؤنته إن فُقِدت الحرفة ، ويكون حق الغرماء فيما بقى. وقد نص الإمام أحمد على أن مَن نذر الصدقة بمالِه كُلِّه ، أجزأه ثُلُثه ، واحتج له أصحابُه بما رُوى فِي قصة كعب هذه ، أنه قال:"يا رسول الله ؛ إنَّ من توبتى إلى الله ورسوله أن أخرُجَ من مالى كُلِّه إلى الله ورسوله صدقة ، قال:"لا"، قلت: فنصفُه؟. قال:"لا"، قلت: فثُلُثه قال:"نعم"، قلت: فإنى أمسك سهمى الذي بخيبر". رواه أبو داود. وفى ثبوت هذا ما فيه ، فإن الصحيح فِي قصة كعب هذه ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزُّهْرى ، عن ولد كعب بن مالك عنه أنه قال:"أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك"،
مِن غير تعيين لقدره ، وهم أعلمُ بالقصة مِن غيرهم ، فإنهم ولدُه ، وعنه نقلوها.