وفى إشارة الناس إلى النَّبطى الذي كان يقول: مَن يدل على كعب بن مالك دون نطقهم له تحقيقٌ لمقصود الهجر ، وإلا فلو قالوا له صريحاً: ذاك كعب بن مالك ، لم يكن ذلك كلاماً له ، فلا يكونون به مخالفين للنهى ، ولكن لِفرط تحرِّيهم وتمسكهم بالأمر ، لم يذكروه له بصريح اسمه. وقد يقال: إن فِي الحديث عنه بحضرته وهو يسمع نوع مكالمة له ، ولا سيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود بكلامه ، وهي ذريعةٌ قريبة ، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع ، وهذا أفقه وأحسن.
وفى مكاتبة ملك غسَّان له بالمصير إليه ابتلاء من الله تعالى ، وامتحان لإيمانه ومحبته للهِ ورسوله ، وإظهار للصحابة أنه ليس ممن ضعف إيمانُه بهجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين له ، ولا هو ممن تحمِلُه الرغبة فِي الجاه والملك مع هجران الرسول والمؤمنين له على مفارقة دينه ، فهذا فيه من تبرئة الله له مِن النفاق ، وإظهار قوة إيمانه ، وصدقه لرسوله وللمسلمين ما هو من تمام نعمة الله عليه ، ولطفه به ، وجبره لكسره ، وهذا البلاءُ يُظهر لُبَّ الرجل وسره ، وما ينطوى عليه ، فهو كالكِير الذي يُخرج الخبيث من الطيب.
وقوله:"فتيممتُ بالصحيفة التنورَ"، فيه المبادرة إلى إتلاف ما يُخشى منه الفساد والمضرَّة فِي الدين ، وأن الحازم لا ينتظر به ولا يُؤخره ، وهذا كالعصير إذا تخمَّر ، وكالكتاب الذي يُخشى منه الضررُ والشر ، فالحزم المبادرة إلى إتلافه وإعدامه.
وكانت غسَّان إذ ذاك وهُم ملوك عرب الشام حرباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا ينعلُون خيولَهم لمحاربته ، وكان هذا لما بعث شجاع بن وهب الأسدى إلى ملكهم الحارث بن أبى شمر الغسَّانى يدعوه إلى الإسلام ،