ومنها: قولُه صلى الله عليه وسلم:"ما أنا حملتُكم ، ولكن الله حملَكم"، قد يتعلق به الجبريُّ ، ولا متعلق له به ، وإنما هذا مثل قوله:"واللهِ لا أُعْطى أحَداً شَيْئاً ، ولا أَمْنَعُ ، وإنَّما أَنَا قَاسِمٌ ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ"، فإنه عبد الله ورسوله ،
إنما يتصرف بالأمر ، فإذا أُمِرَه ربه بشىءٍ ، نفذه ، فالله هو المعطى ، والمانع ، والحامل ، والرسول منفذ لما أمر به. وأما قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، فالمرادُ به القبضةُ من الحصباء التي رمى بها وجوهَ المشركين ، فوصلَت إلى عُيون جميعهم ، فأثبتَ اللهُ سبحانه له الرمىَ باعتبار النبذِ والإلقاء ، فإنه فعله ، ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين ، وهذا فعلُ الرب تعالى لا تَصِلُ إليه قُدْرَةُ العبد ، والرمىُ يُطلق على الخَذف وهو مبدؤه ، وعلى الإيصال ، وهو نهايتُه.
فصل
ومنها: تركُه قتل المنافقين ، وقد بلغه عنهم الكفرُ الصريحُ ، فاحتج به مَن قال: لا يُقْتَلُ الزنديق إذا أظهر التوبة ، لأنهم حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ما قالوا ، وهذا إذا لم يكن إنكاراً ، فهو توبة وإقلاع ، وقد قال أصحابُنا وغيرهم:ومَن شُهِدَ عليه بالرِّدَّةِ ، فشهد أنْ لا إلهَ إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، لم يكشف عن شيء عنه بعد ، وقال بعض الفقهاء: إذا جحد الرِّدَّة ، كفاه جحدها. ومَن لم يقبل توبة الزنديق ، قال: هؤلاء لم تَقُمْ عليهم بيِّنة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكمُ عليهم بعلمه ، والذي بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قولَهم لم يبلِّغه إياه نصابُ البيِّنة ، بل شهد به عليهم واحد فقط ، كما شهد زيدُ ابن أرقم وحدَه على عبد الله بن أُبَيّ ، وكذلك غيرُه أيضاً ، إنما شهد عليه واحد.