ومنها: ما برز به عُثمانُ بن عفان من النفقةِ العظيمة فِي هذه الغزوة ، وسبق به الناس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"غَفَرَ اللهُ لَكَ يا عُثْمَانُ ما أَسْرَرْتَ ، ومَا أَعْلَنْتَ ، ومَا أَخْفَيْتَ ، وما أبْدَيْتَ". ثم قال:"ما ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ"، وكان قد أنفق ألفَ دينار ، وثلاثمائة بعير بعُدتها وأحلاسها وأقتابِها.
ومنها: أن العاجزَ بماله لا يُعذرُ حتى يَبْذُلَ جهده ، ويتحقَّقَ عجزُهُ ، فإن الله سبحانه إنما نفى الحَرَجَ عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم ، فقال: {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} ، فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد ، فهذا العاجز الذي لا حَرَج عليه.
ومنها: استخلافُ الإمام إذا سافر رجلاً من الرعية على الضعفاء ، والمعذورين ، والنساء ، والذُرِّية ، ويكون نائبه مِن المجاهدين ، لأنه من أكبر العون لهم. وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستخلِف ابنَ أُمِّ مكتوم ، فاستخلفه بضعَ عشرة مرة ، وأما فِي غزوة تَبُوك.
فالمعروفُ عند أهل الأثر أنه استخلف عليَّ ابن أبى طالب ، كما فِي"الصحيحين"عن سعد بن أبى وقاص ، قال: خلَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فِي غزوة تَبُوك ، فقال: يا رسول الله ؛ تُخَلِّفُنى مَعَ النساءِ والصبيان ، فقال:"أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ"
مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسَى ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِى". ولكن هذه كانت خلافةً خاصة على أهله صلى الله عليه وسلم ، وأما الاستخلافُ العام ، فكان لمحمد بن مسلمة الأنصارى ، ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفُوا به ، وقالوا: خلَّفه استثقالاً ، أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فقال:"كَذَبُوا ، ولكِنْ خَلَّفْتُكَ لِما تَرَكْتُ وَرائى ، فارْجعْ فاخْلُفْنى فِي أَهْلى وَأَهْلِكَ"."