وقد قدر المرفوع بكاد باسم ظاهر وهو القوم ابن عطية وأبو البقاء ، كأنه قال: من بعد ما كاد القوم.
وعلى كل واحد من هذه الأعاريب الثلاثة إشكال على ما تقرّر في علم النحو: من أنّ خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا مضارعاً رافعاً ضمير اسمها.
فبعضهم أطلق ، وبعضهم قيد بغير عسى من أفعال المقاربة ، ولا يكون سبباً ، وذلك بخلاف كان.
فإنّ خبرها يرفع الضمير ، والسبي لاسم كاد ، فإذا قدّرنا فيها ضمير الشأن كانت الجملة في موضع نصب على الخبر ، والمرفوع ليس ضميراً يعود على اسم كاد بل ولا سبباً له ، وهذا يلزم في قراءة الياء أيضاً.
وأما توسيط الخبر فهو مبني على جواز مثل هذا التركيب في مثل كان: يقوم زيد ، وفيه خلاف ، والصحيح المنع.
وأما توجيه الآخر فضعيف جداً من حيث أضمر في كاد ضمير ليس له على من يعود إلا بتوهم ، ومن حيث يكون خبر كاد واقعاً سببياً ، ويخلص من هذه الإشكالات اعتقاد كون كاد زائدة ، ومعناها مراد ، لا عمل لها إذ ذاك في اسم ولا خبر ، فتكون مثل كان إذا زيدت ، يراد معناها ولا عمل لها.
ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن مسعود: من بعد ما زاغت ، بإسقاط كاد.
وقد ذهب الكوفيون إلا زيادتها في قوله تعالى: {لم يكد يراها} مع تأثيرها للعامل ، وعملها هي.
فأحرى أن يدعي زيادتها ، وهي ليست عاملة ولا معمولة.
وقرأ الأعمش والجحدري: تزيغ برفع التاء.
وقرأ أبي: من بعد ما كادت تزيغ ثم تاب عليهم ، الضمير في عليهم عائد على الأولين ، أو على الفريق فالجملة كرّرت تأكيداً.
أو يراد بالأول إنشاء التوبة ، وبالثاني استدامتها.
أو لأنه لما ذكر أنّ فريقاً منهم كادت قلوبهم تزيغ نص على التوبة ثانياً رفعاً لتوهم أنهم مسكوت عنهم في التوبة ، ثم ذكر سبب التوبة وهو رأفته بهم ورحمته لهم.
والثلاثة الذين خلفوا تقدمت أسماؤهم ، ومعنى خلفوا عن الغزو غزو تبوك قاله: قتادة.