قوله تعالى: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ} أي بما اتسعت؛ يقال: منزل رَحْب ورحِيب ورُحاب.
و"ما"مصدرية؛ أي ضاقت عليهم الأرض برَحْبها، لأنهم كانوا مهجورين لا يعامَلون ولا يكلَّمون.
وفي هذا دليل على هِجران أهل المعاصي حتى يتوبوا.
قوله تعالى: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} أي ضاقت صدورهم بالهمّ والوحشة، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة.
{وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ} أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجئون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه.
قال أبو بكر الورّاق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رَحُبت، وتضيق عليه نفسه؛ كتوبة كعب وصاحبيه.
قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم} فبدأ بالتوبة منه.
قال أبو زيد: غَلِطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أُحبّه فإذا هو أحبّني؛ قال الله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} .
وظننت أني أرضى عنه فإذا هو قد رضِي عني؛ قال الله تعالى: {رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} .
وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني؛ قال الله تعالى: {وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ} .
وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب عليّ؛ قال الله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا} .
وقيل: المعنى ثم تاب عليهم ليثبتوا على التوبة؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ} [النساء: 136] وقيل: أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم؛ قال جل وعز: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 8 صـ}