وابن أم مكتوم جاء ليستفسر عن أمر إيماني ، ولن يجادل مثلما يجادل صناديد قريش ، فلماذا يختار الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الصعب الذي يحتاج إلى جهد أكبر ليفعله؟ . إذن: العتب هنا لصالح محمد صلى الله عليه وسلم ، وحين يقول الحق له: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ...} [التوبة: 43]
ثم جاء ها في الآية بالمهاجرين والأنصار معطوفين على رسول الله ، وذلك حتى لا يتحرج واحد من المهاجرين أو الأنصار من أن الله تاب عليه ، بل التوبة تشمله وتشمل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ؛ فلا تحرُّج .
وهذه المسائل التي حدثت كان لها مبررات ، فقد قال الحق: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} ويزيغ: يميل ، أي: يترك ميدان المعركة كله ؛ لأنها كانت معركة في ساعة العسرة ، ومعنى العسرة الضيق الشديد ، فالمسافة طويلة ، والجنود الذين سيواجهونهم هم جنود الروم ، والجو حارٌّ ، وليس عندهم رواحل كافية ، فكل عشرة كان معهم بعير واحد ، يركبه واحد منهم ساعة ثم ينزل ليركبه الثاني ، ثم الثالث ، وهكذا ، ولم يجدوا من الطعام إلا التمر الذي توالد فيه الدود .
وقد بلغ من العسرة أن الواحد منهم كان يمسك التمرة فيمصها بفيه يستحلبها قليلاً ، ثم يخرجها من فيه ليعطيها إلى غيره ليستحلبها قليلاً ، وهكذا إلى أن تصير على النواة ، وكان الشعير قد أصابه السوس ، وبلغ منه السوس أن تعفن ، وقال من شهد المعركة:"حتى إن الواحد منا كان إذا أخذ حفنة من شعير ليأكلها يمسك أنفه حتى لا يتأذى من رائحة الشعير". كل هذه الصِّعاب جعلت من بعض الصحابة من يرغب في العودة . ولا يستكمل الطريق إلى الغزوة .