وَأَمَّا ظُهُورُهُ عَلَيْهَا بِالْعِلْمِ وَالْعُمْرَانِ ، وَالسِّيَادَةِ وَالسُّلْطَانِ ، فَالَّذِي يَتَرَاءَى لِلنَّاسِ بَادِيَ الرَّأْيِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا عَلَيْهِ دُوَلُ الْإِفْرِنْجِ وَالْيَابَانُ وَضَعْفِ مَا بَقِيَ مِنْ دُوَلِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ فِي دُوَلِ الْعَرَبِ الْأُولَى وَكَذَا دَوْلَةُ التُّرْكِ فِي أَوَّلِ عَهْدِهَا .
وَنُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا عَلَيْهِ دُوَلُ الْإِفْرِنْجِ وَالْيَابَانُ وَشُعُوبُهُمَا لَيْسَ مِنْ تَأْثِيرِ أَدْيَانِهِمَا فِي تَعَالِيمِهَا ، وَلَا فِي الْعَمَلِ بِهَا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَظَهَرَ عَقِبَ وُجُودِ الدِّينِ فِيهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِهِ ، وَقَدْ نَقَلْنَا فِي هَذَا السِّيَاقِ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِفْرِنْجِ الْأَحْرَارِ الْمُسْتَقِلِّينَ أَنَّ مَدَنِيَّتَهُمُ الْحَاضِرَةَ
وَمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا مِنْ تَأْثِيرِ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْ كُتُبِهَا ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ مُلِمٍّ بِالتَّارِيخِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَابَانَ اقْتَبَسَتْ حَضَارَتَهَا وَقُوَّتَهَا مِنْ أُورُبَّةَ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي ، وَحَضَارَةُ الْعَرَبِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا سَبَبٌ إِلَّا هِدَايَةَ دِينِهِمْ .