اسمعوا مبلغ الحرية في فقه إمام الفقهاء، أبي حنيفة، إذ يقول: يدخل المشرك
المسجد الحرام لحاجة، أو لغير حاجة، وبصرف النظر عن عدم موافقة فقهاء
المسلمين على رأيه، إنما أحببت أن أطلعكم على مدى حرية الرأي عند علماء
المسلمين.
قلت: ولعل الإمام أبا حنيفة يرى المنع في قوله - تَعَالَى - (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) إنما هو منعهم من الحج؛ لأن الآية لما نزلت بعث الرسول عليا. وأمره أن ينادي في المشركين: ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ما قولكم الآن؟
إمام هو أحد الأئمة الأربعة يرى منع غير المسلم إنما هو من المسجد فقط. وهذا إمام، هو رأس الأئمة الأربعة، يرى أن المنع إنما هو من الحج، وما عداه فللمشرك أن يدخل المسجد لحاجة أو لغيرها!
أترونه خفي عليه تبشيركم؟
15 -إن الحركات التبشيرية، منذ القرن التاسع عشر، في العالم، ولا سيما في أفريقيا، لم تستطع أن تخرج الوثنيين إلى المسيحية وكانت أعجز عن إخراج المسلم من دينه.
لقد كان المبشر يقضي عشرات السنين في تبشيره فما يظفر إلا بفرد واحد، أولا يظفر بأحد.
ومن يستجيب له إنما يستجيب لما يقدم إليه من مال، وطعام وعلاج.
وما هذه بدعوة إنما هي خطاب للبطن!!
هذا هو واقع التبشير مع ما معه من أموال تمده، وجمعيات ترعاه، وحكومات تدعمه، وفي حالة نفسية سيطر فيها (الفوبيا) (1) على المبشرين.
وفي مقابل هذا كان الإسلام، وهو لم يظفر بمبشرين على نحو ما تيسر للمسيحية، وما ظفر به لم يكن من ورائهم جماعات ولا جمعيات، ولا حكومات.
ومع هذه الفوارق كان هناك التضييق الاستعماري على الإسلام، والطعن فيه على نحو لم يلتزم قواعد العلم والأخلاق، ثم كانت الثمرة زحف الإسلام مع فقده سلطانه السياسي والحربي، ذلك لأن الإسلام، بذاته، يخاطب العقل، ويمس الفطرة، فتجد فيه طلبتها، وجواب ندائها، وشوقها إلى مصدر الحياة، وحقيقة الكون والوجود، فتعلو به على مطالب الجسد والمال.