وَالْمُرَادُ بِالْأَيْمَانِ هُنَا الْعُهُودُ لَا الْقَسَمُ بِاللَّهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقَاسِمْهُمْ بِاللَّهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِنَّمَا عَاهَدَهُمْ، وَنُسْخَةُ الْكِتَابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيهَا قَسَمٌ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَعَاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إِلَى الْآخَرِ، ثُمَّ صَارَ مُجَرَّدُ الْكَلَامِ بِالْعَهْدِ يُسَمَّى يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ الْيَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ الْعَهْدُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هِيَ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: 45] وَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فَاسْمُ الْيَمِينِ جَامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَإِنْ كَانَ نَذْرًا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"النَّذْرُ حَلْفَةٌ"وَلِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] فَالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] الْعُهُودِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَسَمٌ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَسَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]
مَعْنَاهُ: تَتَعَاهَدُونَ وَتَتَعَاقَدُونَ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ مَنْ طَعَنَ فِي دِينِنَا بَعْدَ أَنْ عَاهَدْنَاهُ عَهْدًا يَقْتَضِي أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهُوَ إِمَامٌ فِي الْكُفْرِ لَا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الْآيَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْكُفْرِ، وَهُوَ مَنْ خَالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الْهَمُّ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتَالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} [التوبة: 13] فَجَعَلَ هَمَّهُمْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتَالِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَذَى لَهُ.