وتقديم {أحد} على {استجارك} للاهتمام بالمسند إليه ، ليكون أول ما يقرع السمع فيقع المسند بعد ذلك من نفس السامع موقع التمكن.
وساغ الابتداء بالنكرة لأنّ المراد النوع ، أو لأنّ الشرط بمنزلة النفي في إفادة العموم ، ولا مانع من دخول حرف الشرط على المبتدأ ، لأن وقوع الخبر فعلاً مقنع لحرف الشرط في اقتضائه الجملة الفعلية ، فيعلم أنّ الفاعل مقدّم من تأخير لغرض مّا.
ولذلك شاع عند النحاة أنّه فاعل بفعل مقدر ، وإنّما هو تقدير اعتبارٍ.
ولعلّ المقصود من التنصيص على إفادة العموم ، ومن تقديم {أحد من المشركين} على الفعل ، تأكيد بذل الأمان لمن يسأله من المشركين إذا كان للقائه النبي صلى الله عليه وسلم ودخولِه بلاد الإسلام مصلحة ، ولو كان أحد من القبائل التي خانت العهد ، لئلاّ تحمِل خيانتُهم المسلمين على أن يخونوهم أو يغدروا بهم فذلك كقوله تعالى: {ولا يجرمنّكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} [المائدة: 2] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"ولا تَخُن من خانك"
والاستجارة: طلب الجوار ، وهو الكون بالقرب ، وقد استعمل مجازاً شائعاً في الأمن ، لأنّ المرء لا يستقر بمكان إلاّ إذا كان آمناً ، فمن ثم سمّوا المؤمِّن جاراً ، والحليفَ جاراً ، وصار فعل أجَار بمعنى أمَّن ، ولا يطلق بمعنى جعَلَ شخصاً جاراً له.
والمعنى: إنْ أحد من المشركين استأمنك فأمنه.
ولم يبيّن سبب الاستجارة ، لأنّ ذلك مختلف الغرض وهو موكول إلى مقاصد العقلاء فإنّه لا يستجير أحد إلاّ لغرض صحيح.