وقَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ حِفْظَ هَذَا الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَجِيرِ، وَحِيَاطَتَهُ وَمَنْعَ النَّاسِ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِشَرٍّ، لِقَوْلِهِ: {فَأَجِرْهُ} وَقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ حِفْظَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالْمَنْعَ مِنْ أَذِيَّتِهِمْ، وَالتَّخَطِّي إلَى ظُلْمِهِمْ.
وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ فِيهَا إلَّا بِمِقْدَارِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} فَأَمَرَ بِرَدِّهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ سَمَاعِهِ كَلَامَ اللَّهِ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الْحَرْبِيَّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُقِيمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا سَبَبٍ يُوجِبُ إقَامَتَهُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالْخُرُوجِ إلَى دَارِهِ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ سَنَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَارَ ذِمِّيًّا، وَوُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ}