والحكمة في إعطاء براءة لعليّ رضي الله عنه لتبليغها: أن براءة تضمّنت نقض العهد الذي كان عقده النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وكانت سيرة العرب ألا يحلّ العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلّم.
وتضمّنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين، وذلك في حالتين:
حالة انقضاء مدّة المعاهدة، فنؤذنهم أي نخبرهم بالحرب، وحالة نقض العهد منهم، أو خوف الغدر منهم، فننبذ إليهم عهدهم.
ثم قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ... أي واعلموا علم اليقين أنكم لن تفلتوا من عذاب الله بالهرب والتّحصن إن بقيتم على شرككم وعداوتكم، وإن أمهلكم، وهو مخزيكم أي مذلّكم في الدّنيا بالقتل، والآخرة بالعذاب في النّار، كما قال تعالى في مشركي مكة وأمثالهم: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [الزّمر 39/ 25 - 26] .
وبعد أن أعلن الله براءته من المشركين، أمر بإعلان هذه البراءة للناس قاطبة، فقال: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ ... أي وإعلام من الله ورسوله بالبراءة من عهود المشركين إلى الناس جميعا، يوم الحجّ الأكبر وهو يوم النّحر الذي تنتهي
فيه فرائض الحجّ، وأفضل أيام المناسك، ويجتمع فيه الحجاج في منى لإتمام مناسكهم.
فليس بين البراءتين تكرار لأن البراءة الأولى مختصة بالمعاهدين والنّاكثين العهد منهم، وأما الأذان بالبراءة فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين، ومن لم ينكث.
وسمّي الأكبر لأنه حجّ فيه أبو بكر، ونبذت فيه العهود. ويوم الحجّ الأكبر في رأي ابن عباس في رواية عنه، وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة، وهو مذهب مالك: هو يوم النّحر لأن يوم النّحر فيه الحجّ كله لأن الوقوف بعرفة في ليلته، والرّمي والنّحر والحلق والطّواف في صبيحته.